ابن أبي الحديد
198
شرح نهج البلاغة
لهم صالح بن مخراق : يا قوم ، إنكم أقررتم عين عدوكم ، وأطمعتموه فيكم بما يظهر من خلافكم ( 1 ) ، فعودوا إلى سلامة القلوب ، واجتماع الكلمة . وخرج عمرو القنا - وهو من بنى سعد بن زيد مناة بن تميم - فنادى : يا أيها المحلون ( 2 ) ، هل لكم في الطراد فقد طال عهدي به ! ثم قال : ألم تر أنا مذ ثلاثين ليلة * جديب وأعداء الكتاب على خفض ( 3 ) فتهايج القوم ، وأسرع بعضهم إلى بعض ، وكانت الوقعة ، وأبلى يومئذ المغيرة بن المهلب ، وصار في وسط الأزارقة ، فجعلت الرماح تحطه وترفعه ، واعتورت رأسه السيوف ، وعليه ساعد حديد ، فوضع يده على رأسه ، فلم يعمل السيف فيه شيئا ، واستنقذه فرسان من الأزد بعد أن صرع ، وكان الذي صرعه عبيدة بن هلال بن يشكر بن بكر بن وائل ، وكان يقول يومئذ : أنا ابن خير قومه هلال * شيخ على دين أبى بلال * وذاك ديني آخر الليالي * فقال رجل للمغيرة : كنا نعجب كيف تصرع ، والآن نعجب كيف تنجو ! وقال المهلب لبنيه : إن سرحكم ( 4 ) لغار ، ولست آمنهم عليه ، أفوكلتم به أحدا ؟ قالوا : لا ، فلم يستتم الكلام حتى أتاه آت ، فقال : إن صالح بن مخراق قد أغار على السرح ، فشق على المهلب ، وقال : كل أمر لا إليه بنفسي فهو ضائع ، وتذمر عليهم ، فقال له بشر بن المغيرة : أرح نفسك ، فإن كنت إنما تريد مثلك فوالله ما يعدل خيرنا شسع ( 5 ) نعلك ،
--> ( 1 ) ج : ( اختلافكم ) . ( 2 ) المحلون : الذين لا يحفظون عهدا ولا يرعون حرمة ، فكأنما أحلوا أعراضهم وأموالهم أن تستباح . ( 3 ) الحفض . الدعة ولين العيش . ( 4 ) السرح : المال السائم في المرعى من الانعام ، وأراد بالغار الذي يطمع الناس في أخذه حيث لا راعى له يحفظه . ( 5 ) الشسع : قبال النعل .